روايات

طريق جهنم (تتمة)

 طريــق جهنــم

طريق جهنم

كان الجحيم الصامت، ومنذ أن تعرف على ساندي وهو مشغول التفكير بها،
شعر بها قريبة منه جدا، كانت لديه رغبة قوية في التعرف عليها والتقرب منها، لم
يفهم لماذا شعر بذلك، فتذكر أخته وعمته، مباشرة بعد الحفلة سافر إلى البادية
لزيارة عمته، فلم يجد أحدا بالمنزل، سأل الجيران عنهم، فأخبروه أن العمة ماتت وأن
ابنتها قد رحلت منذ زمن وكان اسمها ساندي.

وعند زيارته لساندي بالمستشفى، وبينما هي نائمة سحب منها قليل من شعر
رأسها وأرسله إلى صديق له ليقارن بينه وبين شعره، وقد استعجله لمعرفة النتيجة.

في صباح اليوم اتصل به صديقه لخبره عن تطابق الحمض النووي للشعر،
وأنهم إخوة، شعر الجحيم الصامت بالفرحة والسرور، وأخيرا وجد أخته لقد كبرت وأصبحت
فتاة جميلة، ركب سيارته وتوجه إلى منزلها ليتحدث معها ويخبرها عنه، وهو بالطريق
تذكر نظراتها إليه، فقال في نفسه:

“هل تعرفت علي؟ …”.

أوقف السيارة فجأة وهو يرى ساندي أمامه وقد وضع السلاح على رأسها ويتم
سحبها إلى سيارة متوقفة وسط الشارع، تجمد مكانه من الصدمة، لقد كان وحده بالسيارة،
كما أنه لم يحضر سلاحه، فخاف أن يتسبب في أذيتها إذا تدخل، فانتظر في مكانه حتى
تحركت السيارة الأخرى، بعد أن أفسدوا إطار سيارة الحراس لكي لا يلحقوا بهم، فلحق
بها بعد أن تحدث في الهاتف مع صديق له أعطاه أوصاف ورقم السيارة.

كان فريد في مقر الجمعية، وقد ذهب سريعا عندما سمع بإشعال النار بها،
فمنذ أكثر من أسبوع وساندي لا تخرج من المنزل، كما أن الحراسة قد زادت عليها، ورغم
ذلك وضع حراس قريبين منها، وقد علم من جواسيسه أن الرئيس اختفى بعد أن أفسد صفقة
كبيرة للوزير، وبما أن ساندي بالمنزل فهو مطمئن عليها، لكن بعد سماع الحريق بمقر
المنظمة شعر بالخوف عليها فجاء مسرعا حتى يطمئن أنها غير موجودة، وبينما هو هناك
جاءه اتصال من جواسيسه الذين أخبروه عن عملية اختطافها.

ركب سيارته بسرعة وتوجه إلى الطريق الذي تسلكه السيارة التي اختطفت
ساندي، كان يقود مسرعا وهو يتذكر آخر مرة رآها بها كيف كانت حزينة ومحطمة، وعدم
رغبتها في إخباره عن سبب ذلك رغم أنها لم تخفي عنه شيئا من قبل، لا بد أنها خائفة
الآن ووحيدة.

وصل إلى مكان انتظار جواسيسه، توقف بجانبهم فأرشدوه إلى مكان
احتجازها، وكان مكان خارج المدينة في منزل من طابق واحد يحيط به سياج عالي، وقد
توقفوا بعيدا حتى لا يتم التقاط سيارتهم، وقد انتبهوا على سيارة أخرى تلاحق سيارة
المختطفين:

“هل هم حراسها؟…”

سأل فريد، فرد عليه أحدهم:

“ليسوا حراسها… هذا السائق كان قادما إلى منزلها، وبعد أن تم
اختطافها لحق بهم…”

استغرب فريد عن من يكون فقال:

“هل يمكن أن يكون الرئيس؟ …”.

سرعان ما وجه انتباهه إلى مكان تواجد ساندي، فمن يلاحقها لابد أن
غايته إنقاذها، لذلك اتفق مع أصدقاءه أن يجهزوا لعملية إنقاذها، فهو لا يشعر براحة
في تواجدها هناك، لأنها كلما تأخروا في إنقاذها كانت حياتها في خطر.

كان الجحيم الصامت قد اتصل بأصدقائه، أعطاهم مكان تواجده، وانتظر حضورهم
بينما نزل يستطلع المكان ويحاول إيجاد طريقة للدخول بدون التسبب في أذية أخته.

طوال الطريق كانت ساندي جالسة بهدوء وقد وضع غطاء على رأسها، فأغمضت
عينها وبدأت تتبع مسار السيارة وتحسب المنعرجات والالتفاتات وعدد الشوارع حتى تشغل
تفكيرها عما ينتظرها، وكانت تعلم أن فريد يراقبها دائما، لا بد أنه علم باختطافها
فسيجد حتما طريقة لإنقاذها.

توقفت السيارة وفتح الباب، فقام أحد الراكبين بإنزالها وسحبها من يدها
إلى الداخل، حتى أجلسها على كرسي ثم قيد يدها ورجلها قبل أن يزيل غطاء رأسها، فتحت
عينها بهدوء حتى تعتاد على المكان، كان منزلا لكنه فارغ من الأثاث، يوجد كرسي آخر
أمامها غير الكرسي الذي تجلس عليه، رفعت عينها تنظر إلى الشخص الجالس عليه فلم تبد
أي تعبير بل نظرت بتمعن إليه ثم جالت بنظرها على كامل الغرفة التي تجلس بها، قبل
أن تعود للنظر إلى الجالس أمامها.

قطب الوزير حاجبيه استغرابا وهو ينظر إلى الفتاة الجالسة أمامه، التي
رغم اختطافها ووجودها في خطر لم تبد أي تعبير عن استغراب أو خوف أو غضب، لا شيء،
لقد سمع عنها كثيرا من رجاله، وأنها أهم شخص في حياة الرئيس، لكنه لم يتوقع أن
تكون بهذا الجمال وهذه القوة، سألها:

“أنتي ساندي حبيبة الرئيس؟…”

لم تجب ساندي، بل تمعنت النظر إليه وهي تتساءل عن سبب اختطافه لها، إن
كان الأمر يتعلق بالرئيس، أم يتعلق بفريد، عليها أن تنتظر قبل التحدث.

عندما لم تجب نهض الوزير من مكانه واقترب منها، وضع يده تحت ذقنها
ورفع وجهها إليه، فشعر بالضياع في عينيها الواسعتين البنيتين، ثم قال:

“أين هو الرئيس؟ … لا بد أنك تعرفين مكانه …”،

“إذن فهو يبحث عن الرئيس…”،

فكرت ساندي وهي تبعد رأسها عن يده وتستقيم جالسة على الكرسي، عليها أن
تفكر جيدا قبل التحدث، قالت:

“من أنت؟…”،

بما أنه لم يقدم يوما إليها، فهي يجب أن لا تظهر معرفتها له تحسبا،
وبالفعل فهو لا يريدها أن تتعرف عليه، حيث قال:

“ليس مهما من أنا… أخبريني عن مكان تواجده…”

ردت  عليه:

“إنه مسافر لا أعلم أين؟…”،

قال الوزير:

“أنت تعلمين أين هو … فأنت لديك كل أسراره…”،

ردت عليه ساندي:

“أنا لست زوجته… أنا مجرد رفيقته … لا يخبرني عن مكان رحلاته
…”

كانت تتحدث بهدوء وهي تنظر إلى عينه بدون خوف، قال لها بعد أن تطلع
بها:

“حسنا … ستبقين معنا هنا حتى عودته… لا بد أنه علم الآن عن
اختطافك…”،

إذن فهي مجرد فخ حتى يتم الإمساك بالرئيس، أومأت برأسها وقالت:

“حسنا كما تريد … مع أني أشك في ظهوره…”،

أجابها الوزير:

“سيظهر…، أنتي مهمة بالنسبة له… سيأتي…”.

قال ذلك وتوجه إلى الباب، حيث توقف وأمر رجاله بالاهتمام بها وبتوخي
الحذر قبل أن يخرج.

بينما الوزير يغادر المنزل شاهده فريد الذي تعرف عليه في الحين، حيث
أخرج هاتفه وبدأ في تسجيل خروجه من المنزل، وأمر أحد رجاله بتتبعه وإخباره عن
تحركاته، وبعد ذلك قرر التسلسل إلى داخل المنزل، بما أن الوزير وراء الاختطاف
فحياة ساندي في خطر.

هذا ما جاء في تفكير فريد، حيث أمر رجاله بالتفرق حول المنزل بينما
يدخل وحده، وأن يكونوا على استعداد للتدخل عند أول إشارة منه، وأن ينتبهوا من وجود
أي فخ.

بعد أن تفرق رجاله اقترب من السياج والتف حول المنزل من كل جانب، فرأى
رجال الوزير يلتفون حول المنزل داخل السياج، ووجد أن دخوله صعب جدا، عليه أن يفكر
بطريقة تمكنه من الدخول قبل عودة الوزير، فجأة رأى الحراس يتجهون إلى مقدمة
المنزل، كان هناك ضجيج وحركة، لكنه لم يهتم وجدها فرصة حيث تسلق السياج والتصق
بحائط المنزل، فوجد نافذة لم يغلب في فتحها، حيث انسل داخل المنزل وأعاد غلقها،
كانت غرفة فارغة، توجه إلى الباب، فتح قليلا منه ونظر في الأرجاء، وقبل أن يخرج
سمع نافذة الغرفة تفتح، فرأى رجلا يدخل الغرفة متسللا، التصق بالحائط وانتظر
دخوله، حيث انقض عليه يحاول إسكاته بضربة لكن الرجل الآخر تفاداها وكان سيضربه
عندما رأى وجهه توقف.

“أنت؟ …”،

قال فريد وهو ينظر إلى الجحيم الصامت، الذي تفاجئ بدوره وهو يرى أمامه
الطبيب الذي شاهده بغرفة ساندي بالمستشفى.

“الطبيب … ما الذي تفعله هنا؟ …”،

سمعا ضجيجا بالخارج فتوقفا عن الاهتمام ببعضهم واتجها إلى الباب
ليتحققا من الضجيج فوجدا أن رجال الوزير قد أمسكا بأحد الرجال وسمعا أحدهم يقول في
الهاتف أنهم أمسكوا رجلا يحاول تسلق السياج للدخول إلى المنزل، سكت قليلا ثم أمر
رجاله بربطه ووضعه في أحد الغرف، كما أمر أحد آخر بتجهيز السيارة لنقل الفتاة
لمكان آخر.

نظر فريد إلى الجحيم الصامت، فرأى العزم على وجهه، فقال له:

“هل أنت هنا لمساعدة الفتاة؟ …”،

رد الجحيم الصامت:

“أجل…، هل أنت كذلك؟ …”

أجاب فريد:

“أجل…”

فقال الجحيم الصامت:

“يجب أن نتحرك الآن… إذا انتظرنا حتى ينقلونها لمكان آخر لن
نتمكن من ذلك …”

أجاب فريد:

“حسنا… لنتحرك الآن…”،

أخرج فريد هاتفه وأرسل الإشارة لرجاله، بينما اتصل الجحيم الصامت
برجاله وأخبرهم أن يتحركوا رفقة مجموعة أخرى قادمة، وعليهم التعاون معا، ثم أخفوا
هاتفهم، وأخرجوا أسلحتهم، انتظروا حتى سمعوا ضرب الرصاص حيث خرجوا من الباب
يستهدفون كل من يجدونه في طريقهم، وهم يفتشون الغرف.

بعد أن خرج الوزير قاموا بوضع ساندي في غرفة، ووضعوا غطاء على عينها
وهم يربطون يديها ورجلها، فكانت تسمع فقط صوت خطوات رجال الوزير خلف صور المنزل،
ثم سرحت تفكر في حياتها، وكيف عاشت منذ صغرها، وتذكرت أخوها كم كان طيبا وحنونا،
وكيف أصبح مجرما أكبر من هؤلاء الذين أمضت حياتها تحاول الانتقام منهم.

فجأة انتبهت لصوت الضجيج بالخارج، قبل أن تسمع صوت الرصاص، والخطوات
السريعة التي تقترب من مكانها، سمعت صوت باب يفتح وأحد يقترب منها مسرعا، تسمرت في
مكانها وهي تنتظر ماذا سيفعلون بها، حين أزيل الغطاء عن عينها، فتحت عينيها
استغرابا،

“أنت؟ …”،

خرجت الكلمات من فمها وهي مصدومة، لم تتوقع أن ترى الجحيم الصامت
أمامها، كان يحمل المسدس في يده، وينظر إلى باب الغرفة، وهو يحاول نزع رباط يدها،
لم تفهم شيئا، لكنها أسرعت بفك رجلها، حين رأت فريد يدخل الغرفة وهو يصرخ في
الجحيم الصامت:

“بسرعة… لنخرج بسرعة قبل أن يحضر المزيد من الرجال …”،

ساعدها الجحيم الصامت لتقف، ثم دفعها أمامه ليخرجوا من الغرفة، وكان
فريد أمامهم يفتح الطريق لهم، عادوا إلى الغرفة التي دخلوا منها لأن الباب الأمامي
مملوء بالرجال يتقاتلون، دخلوا الغرفة وفتحوا النافذة، خرج الجحيم الصامت أولا
وساعد ساندي، ثم خرج فريد، وتسلقوا السياج ليجدوا نفسهم خارجا، وكانت هناك سيارة
تنتظرهم أمنها الجحيم الصامت قبل خروجهم، ثم أمر رجاله بالانسحاب، كما فعل فريد.

سلكوا طريقا غير الطريق المعتاد، دخلوا بين المزارع وبين الأشجار، لأن
الوزير لابد أن يكون قد وضع الشرطة على الطريق للإمساك بهم، وبعد أن ابتعدوا كثيرا
توقفوا بجانب شجرة مظلة، وخرجوا من السيارة، وكانت ساندي طوال الطريق تنظر مرة إلى
فريد ومرة إلى الجحيم الصامت وتتساءل عن كيفية تجمعهم وتشاركهم في إنقاذها.

جلسوا تحت الشجرة، نظرت إليهم ساندي وقالت:

“هل يمكنني أن أعرف كيف جئتم مع بعض؟ …”

أجابها فريد:

“لم نأتي مع بعض، التقينا في الداخل…”

نظرت لهم ساندي وقالت:

“لم أفهم؟ …”

قال الجحيم الصامت:

“أنا جئت وحدي والتقيت بالطبيب بالداخل…”،

“الطبيب؟…”،

سألت ساندي وهي تنظر إلى فريد ومنه إلى الجحيم الصامت، فرد الجحيم
الصامت:

“سبق أن التقيت بالطبيب في غرفتك بالمستشفى…”

نظرت ساندي لفريد، وفهمت أنهم جاءوا لزيارتها، وأن الجحيم الصامت ظن
أن فريد طبيب، فسألت الجحيم الصامت:

“كيف علمت عن اختطافي؟…”،

أجاب الجحيم الصامت:

“كنت قادما لزيارتك، عندما رأيتهم يقطعون الطريق على سيارتك
ويأخذونك فلحقت بهم…”،

نظرت إليه ساندي متعجبة وقالت:

“لماذا ستزورني؟ …”،

قال الجحيم الصامت وهو ينظر إلى فريد:

“سأخبرك فيما بعد…”،

ثم نظر إلى فريد يسأله:

“وأنت أيها الطبيب، كيف علمت باختطافها…”،

لم يجبه فريد، فهو لم يرغب في أن يكشف نفسه أمام الجحيم الصامت، بل
نظر إلى ساندي ثم أعاد النظر إلى الجحيم الصامت قبل أن يقول:

“يجب أن نعود…”،

ثم نظر إلى ساندي وهو يقول:

“لا يجب عليك العودة إلى المنزل … فحياتك في خطر…، عليك أن
تذهبي إلى مكان آمن…”،

نهض الجحيم الصامت وهو يقول:

“ستظلين عندي…، إنه أأمن مكان…”،

وقف فريد بسرعة وهو يقول:

“كلا… سآخدك لمكان آمن…”،

قال ذلك وهو يمسك بيد ساندي ويقف بجانبها، ثم أردف يقول:

“شكرا لك على مساعدتك… لكن بجانبك غير آمن…”،

نظر الجحيم الصامت إلى فريد، ثم إلى يده التي تمسك ساندي، وقطب حاجبه،
ثم قال:

“حسنا، بما أننا هنا، هل يمكنني التحدث مع ساندي وحدنا؟
…”،

“كلا، إنها متعبة وتحتاج إلى الراحة…”

أجاب فريد وهو يتقدم أمام ساندي محاولا وضع حاجز بينها وبين الجحيم
الصامت، لكن ساندي ضغطت على يده وهي تقول:

“لا بأس فريد، انتظرني هنا سأكون بخير…”

ابتعدت هي والجحيم الصامت بعيدا عن فريد ثم توقفوا ليتحدثوا، وكان
فريد يراقبهم من بعيد، قال الجحيم الصامت وهو ينظر في وجهها:

“كنت في ما مضى أقيم هنا مع والدي وأخوتي … حيث كانت لي أخت صغيرة
بقيت معي بعد أن توفوا عائلتي جميعا واختطفت أختي الأخرى…. وقد تركت أختي
الصغيرة مع عمة لي بالبادية…، غبت كثيرا، وعندما عدت لم أعثر عليها… أختي الجميلة
فاتن…”،

كان يتحدث بينما ساندي كانت تنظر إلى الأرض، فهي لم ترغب في أن يرى
عينيها التي تغشاها الدموع، لقد تذكرت ماضيها وأخوها الذي انتظرته كثيرا، عندما لم
تجب، وضع يده على ذقنها يرفع وجهها إليه، فرأى وضعها، فقال:

“منذ رأيتك أول مرة، شعرت بإحساس خاص جهتك…، لقد تعرفت علي
أليس كذلك؟…”

ردت ساندي وقد على الغضب وجهها:

“لا يشرفني التعرف عليك …، تمنيت لم أنك لم تعد…”

قالت ذلك والتفتت لتعود لفريد، لكنه أمسكها وهو يقول:

“لماذا تقولين ذلك؟ …”

ردت عليه ساندي:

“ماذا تختلف عن المجرمين الذين شتتوا عائلتنا؟ …لقد صرت أسوء
منهم…”

كان فريد قد اقترب منهم عندما رآه يمسكها، فسحب يدها من يد الجحيم
الصامت، وأبعدها عنه، فقال الجحيم الصامت:

“أنت مخطئة فاتن … من يعرفني أكثر منك…”

صرخت ساندي تقول:

“ما الذي سأعرفه عنك؟ …، لقد انتظرتك كثيرا … كثيرا
…”

نزلت الدموع من عينها فأخفت رأسها في صدر فريد الذي حضنها وهو ينظر
إلى الجحيم الصامت، ويتساءل عن معنى كلامهم

“فاتن؟ …”

عندها تذكر ما حكت له ساندي عن حياتها السابقة، وعن أخيها الذي اختفى،
أخيها؟ …، هل الجحيم الصامت أخوها الذي كانت تتحدث عنه؟.

حاول الجحيم الصامت التقرب منها ليتحدث معها لكن فريد أوقفه، ثم اصطحب
ساندي إلى السيارة، حيث ركب بجانبها، بينما ركب الجحيم الصامت بجانب السائق، ساروا
بصمت طوال الطريق حتى وصلوا إلى الجهة الأخرى من المدينة، وكان فريد قد اتصل
بفريقه الذي أمن لهم سيارة ومكان آمن لتبقى به ساندي، ثم افترقوا عن الجحيم الصامت.

دخلت ساندي إلى المنزل، وكان الظلام قد بدأ ينزل، أصر عليها فريد أن
تتناول الطعام، ثم دخلت الفراش، ظلت تتقلب إلى وقت متأخر قبل أن تخلد للنوم، وقد
استفاقت مرات كثيرة من النوم وهي تصرخ، وتنادي أخيها ليساعدها، وكان فريد قد بقي
بجانبها حتى الصباح.

عندما خرج فريد في الصباح ترك ساندي نائمة، حيث ذهب إلى عمله فكانت
الأوضاع مضطربة، فقد تم الإبلاغ عن تبادل الرصاص، وعندما انتقلت الشرطة إلى عين
المكان، عثروا على جثث، من بينهم جثث لأفراد من الشرطة، فكانت فوضى بمعنى الكلمة.

اتصل فريد بأصدقائه واستفسر عن أوضاعهم، وعلم بأنهم بخير لم يصب أحد
منهم، وقد قاموا بتسريب صور للوزير وهو بعين المكان، وانتشرت الأخبار عنه بوسائل
التواصل، كما أنهم سيرسلون فيديو الذي صورته ساندي عنه في الفيلا الخاصة وبذلك
سيحاصرونه، وأيضا سيرسلون دلائل كثيرة تدينه للشرطة بحيث لن يتمكن من الإفلات من
العقاب.

بعد أن استمع لهم، أمرهم بتوخي الحذر، كما طلب منهم عدم ذكر الجحيم
الصامت في أي موضوع، حتى يبحث في أمره، وأن يتصلوا به على رقمه الخاص في حالة
الضرورة، وبعد ذلك ذهب إلى رئيسه يسأله عن خطوتهم القادمة، حيث طلب منه رئيسه أن
يبتعد عن الموضوع ويتركه لزملائه.

لم يعترض فريد لأنه جمع كل المواد اللازمة لاعتقال الوزير بعد أن ترفع
حصانته، وسلمها لرئيسه، كما أن أصدقائه يساعدونه، وأيضا  يحتاج للوقت حتى يعتني بساندي، لذلك سمع لرأي
رئيسه وترك القضية بين يديه.

عند عودته إلى المنزل وجد ساندي تجلس بجانب النافذة تدخن سيجارة وهي
شاردة، دخل المطبخ وأحضر كأسين من القهوة، جلس بجانبها وسلمها كأس أمسكته ساندي
ورشفت منه قليلا ثم وضعته على الطاولة، وعادت تنظر إلى الخارج، لم يعرف فريد كيف
يتعامل معها، وضع كأسه من يده وأمسك بيدها بين يديه فنظرت إليه وفي عينيها حزن
عميق، رفع يده وتحسس وجهها، ثم ضمها إلى صدره بقيت ساكنة على صدره حتى شعر بدموعها
دافئة على صدره، ضمها أكثر، ثم مرر يده على رأسها حتى يساعدها على البكاء.

منذ عودة الجحيم الصامت أمس وهو لم يجد وقتا حتى يفكر في نفسه أو في
أخته، فبعد عودته قام بكل ما يستطيع حتى ينتهي من هذه القضية، حتى يتمكن من
التحرر، ويستطيع الاجتماع بأخته، التي اشتاق إليها كثيرا، وعند إيجادها تسبب في
تعاستها، لذلك تواصل مع رئيسه، حيث أعطاه رقم الزميل الذي سيجتمع به ليسلمهم
الأدلة التي جمعها ويدرس الأدلة التي بحوزته.

جلس داخل مقهى صغيرة وانتظر حضور زميله الذي تحدث معه على الهاتف
واتفقا على اللقاء، كان ينظر في كل من دخل المقهى ويرى إن كان قد أحضر معه وردة
بيضاء، نهض من مكانه حين رأى شخصا يدخل معه وردة بيضاء، لكنه تسمر في مكانه:

“الطبيب…”،

نظر فريد إلى الرجل الذي وقف ينتظره، وقد وضع وردة بيضاء بجانبه،
فصدم، إنه الجحيم الصامت، غير ممكن، فرئيسه طلب منه أن يقابل زميلا له، تقدم حتى
وصل إلى الطاولة والتقت أعينهم للحظة، ثم جلس فريد على الكرسي أمامه وقال:

“مرحبا …”

أجاب الجحيم الصامت:

“مرحبا … التقينا مرة أخرى …”

رد فريد:

“أجل …”،

نظر إلى الوردة الموضوعة بجانبه، ثم نظر إلى الجحيم الصامت وقال:

“فلنتحدث بصراحة… أنا العميد فريد…”

قال ذلك وهو يمد يده ليصافحه وينتظر أن يعرف عن نفسه، فرد عليه الجحيم
الصامت:

“أنا العقيد حسام … من الشرطة العسكرية…”

صافحه فريد وقد شعر براحة كبيرة، طلبا مشروبا، ثم جلسا يتحدثان عن
مهمتهما، وبعد أن سلم حسام الأدلة لفريد سأله:

“كيف حال فاتن … هل هي بخير؟ …”،

أجابه فريد:

“ستكون بخير … عليك أن تتحدث إليها… “،

أجابه حسام:

“قبل ذلك علي أن أنهي مهمتي … أنت تعلم خطورة القضية، لا
أريدها أن تتأذى…”،

أجابه فريد:

“حسنا … ماذا ستفعل الآن؟ …”،

أجاب حسام:

“سأعود إلى المقر… واسلم عملي… وبعدها سأعود لرؤية فاتن
…”،

ثم قال:

“هل يمكن أن تهتم بها حتى عودتي؟ …”،

رد فريد:

“حسنا… كن مطمئنا… إلى اللقاء…”،

تصافحا، ثم عاد فريد إلى إدارته لتسليم الأدلة إلى رئيسه، وبينما هو
في طريق العودة إلى المنزل اتصل به صديقه وأخبره أن أحد الحراس اتصل به ليخبره عن
عملية نقل ساندي لمنزل آمن آخر، وهل هو من أعطى الأمر، صدم فريد من الخبر، وطلب
المساعدة من أصدقائه، ثم قاد بسرعة إلى المنزل وعند وصوله كان المنزل فارغا.

جن جنون فريد وشرع يتصل بكل زملاءه لعل أحدهم سمع بعملية النقل، وذهب
إلى مقر الشرطة وبحث في كل السجلات فلم يجد شيء يخص ساندي، ذهب إلى رئيسه فأخبره
أنه سيبحث بالأمر، وخرج من هناك وهو يفكر في أسوء الأمور، بحث كثيرا فلم يجد أي
خيط يرشده، عندها اتصل بحسام وأخبره بما حدث.

كان حسام في الثكنة العسكرية يسلم مهمته ويستلم أوراقه ليعود لعمله،
بعد أن قضى سنين وهو يعمل بالخفاء بين عصابات الاختطاف والاتجار بالبشر، وأخيرا
سيعود إلى مكانه الطبيعي، حين اتصل به فريد تجمد في مكانه وهو يفكر بأخته، أخيرا
وجدها، فهو ليس على استعداد لفقدها، نظر إليه رؤساءه بعد أن شاهدوا حالته، سأله
رئيسه فقال:

“إنها أختي … لقد اختطفت … علي الذهاب… من فظلكم…”،

أوقفه رئيسه وهو يراه يتجه ليخرج وقال:

“انتظر … “،

توقف ونظر إلى رئيسه الذي قال:

“أرسل لنا ملفها… سنساعدك في البحث …”،

ابتسم حسام وهو يتجه إلى الباب:

“شكرا سيدي … سأرسله لكم….”،

ثم خرج يجري، استقل سيارته وقاد كالمجنون إلى حيث يوجد فريد، عندما
وصل إليه سأله عما حدث، فأخبره فريد، وكانت النتيجة أن من خطفها من الشرطة، لأنه
يعلم عن المكان الآمن، كما أنه لا توجد آثار معركة، وبينما هما كذلك اتصل أحد
أصدقاء فريد الذي قال:

“سيدي… الآنسة فرت أثناء عملية النقل …”،

“ماذا؟…”،

صرخ فريد، ثم قال:

“كيف علمت؟ …وأين هي؟…”،

رد عليه زميله:

“لا أعلم أين هي؟ … لكن الحارس الذي كان مسئولا عن حراستها
أخبرني…”،

سأل فريد:

“أين هو؟ …”

رد زميله:

“إنه معي … أنا قادم إليك …”،

في انتظار زميله أخبر فريد حسام بما سمعه، ثم انتظرا معا وصول الحارس
حتى يفهموا ما حدث.

بعد أن خرج فريد على إثر اتصال من رئيسه، دخلت ساندي إلى الحمام،
اغتسلت، ثم غيرت ملابسها، دخلت إلى الغرفة، تمددت على السرير ثم أغمضت عينيها، لقد
شعرت براحة كبيرة بعد أن بكت، لقد كانت صدمتها في أخيها كبيرة، عليها أن تحاول
العيش بدونه كما اعتادت، فهي تفضل الوحدة على أن يكون الجحيم الصامت أخوها.

سمعت طرقا على الباب فإذا بالحارس يخبرها أن تجهز نفسها لأنهم
سينقلونها إلى مكان آمن، لأن هذا المكان غير آمن، نظرت إلى خلفه فرأت اثنين من
الضباط ينتظرون، لم ترتح لوجوههم، فسألت الحارس عن فريد، حينها تحدث أحد الضباط
فقال:

“العميد فريد في مهمة، وطلب منا الاهتمام بعملية النقل…”،

أجابت:

“حسنا…، انتظر قليلا حتى ألبس ملابسي…”،

دخلت إلى الغرفة، ارتدت ملابسها، ثم فتحت الباب ونادت على الحارس
ليحمل أشياءها، وعندما دخل نظرت في وجهه فرأت أنه يشير لها أن لا تذهب، فهمت من
إشارته أنها في خطر، وأن فريد لا علم له، فكرت قليلا ثم أشارت له أنها فهمت، لحقت
بهم إلى السيارة، ركبت خلف الضباط مع حارس بجانبها، ولم تبد أي تردد، سارت السيارة
مسافة طويلة حتى دخلت إلى الطريق العام، وعند مفترق الطرق قريبا من أحد الأحياء،
وضعت ساندي يدها على فمها كأنها تريد إرجاع ما في بطنها، تأوهت بقوة، فطلب الضابط
من السائق أن يتوقف بجانب الطريق، نزلت ساندي من السيارة وابتعدت تجري إلى جانب
الشجرة وشرعت في إرجاع الطعام.

وكانت عندما نزلت تجري لحقوا بها، وعند توقفها عادوا وابتعدوا عنها،
عندها نظرت إلى الشارع أمامها، هناك زقاق قريب، بينما تلتف السيارة ستكون قد
اختفت، بدون أن تعيد التفكير ركضت إلى الطريق المعاكس، وقبل أن ينتبه الضباط كانت
قد عبرت الشارع، ومنه دخلت في زقاق ثم تسلقت صور أحد المنازل واختبأت.

رأت السيارة تطوف بالشارع ذهابا وإيابا، ثم الحراس يفتشون المنطقة،
انسحبت إلى الجهة الأخرى من المنزل، نظرت في الزقاق، ثم خرجت، عبرت الزقاق الآخر،
ثم وجدت سيارة أجرة ركبتها وابتعدت عن المنطقة.

لم تعد إلى أي من الأماكن التي كانت تتواجد بها من قبل، نزلت من سيارة
الأجرة، ثم مشت كثيرا، وأخذت سيارة أخرى إلى محطة الحافلات، ومنه حافلة إلى
البادية حيث اختبأت في منزلهم بدون أن يراها أحد، وقد أخذت معها ما تحتاج إليه،
فلا أحد يعرف هذا المكان.

بعد أن تم استجواب الضباط الذين نفذوا عملية نقل ساندي، علمت الشرطة
أن الوزير خلف الأمر، وقد رفعوا الحصانة عنه، كما أرسلوا أمر القبض عليه، وتم
القبض على بعض رجال الشرطة الذين كانوا يساعدون الوزير في مهامه، وذلك بفضل مساعدة
السيد ناصر الذي جمع دلائل ضدهم.

كان كل من فريد وحسام مع فريقهم يسعون جاهدين للقبض على الوزير، وفي
نفس الوقت يبحثون عن ساندي، التي اختفت ولم تترك أي أثر، وكل منهم يتمنى أن تكون
بخير.

وبينما هم في عملية البحث، عثروا على الرئيس ميتا، لا بد أن الوزير قد
وصل إليه، وبعد تتبع كاميرات المراقبة وصلوا إلى الوزير، الذي جن جنونه فرفع
السلاح على الشرطة وقام بإطلاق النار، حينها أطلقت الشرطة النار عليه، فأصيب إصابة
خطيرة نقل على إثرها إلى المستشفى، فقامت الشرطة بعد ذلك بالهجوم على أماكن كثيرة
تخص الوزير، فعثروا على فضائع، وأنقذوا أرواح كثيرة.

جلس حسام مع فريد في مكتبه وقد ضاعوا في تفكيرهم، كل يتساءل عن مكان
وجود ساندي، وكانوا قد بحثوا في كل مكان يعرفه فريد، فجأة وقف حسام وهو يقول:

“عرفت أين يمكن أن تكون…”

نهض فريد وقد شعر بدقات قلبه تتسارع:

“أين ؟ …”

أجاب حسام:

“لنذهب…”

قالها وهو يتوجه إلى الخارج، لحق به فريد وهو يتمنى أن يكون حسام
محقا، ركبوا في السيارة وانطلقوا، وبينما هم في الطريق سأل فريد:

“كيف عرفت أين هي؟…”

قال حسام:

“بحثنا في كل مكان، … لكننا لم نبحث في المكان الذي كبرت
به…”

استغرب فريد، فهو يعرف كل شيء عنها، لكنه لم يسألها يوما عن المكان
الذي تربت فيه، وبما أن حسام أخوها فهو يعرف ذلك. طوال بقية الطريق التزما بالصمت،
وهم يتمنون أن تكون هناك.

بعد وصول ساندي إلى المنزل، وجدته في حالة سيئة، لقد مرت مدة طويلة
منذ ذهابها، فهو متسخ ، لذلك أخذت وقتها في تنظيفه وترتيبه، وذلك ساعدها كثيرا في
نسيان حزنها وألمها، انتهت في وقت متأخر، اغتسلت وتناولت طعامها، ثم نامت على
الفور من تعبها، وفي الأيام التالية ظلت في الفراش، نهضت فقط لتناول الطعام أو
للذهاب إلى الحمام، كانت متعبة جدا، ومرهقة نفسيا مما مرت به من أحداث.

ظلت نائمة طوال الصباح، وبعد ظهر اليوم نهضت من السرير، أخذت دش، ثم
حضرت الطعام، وجلست بجانب النافذة تتناول طعامها، عندما انتهت فكرت في الخروج
لتبتاع بعض الأشياء التي تحتاجها، ارتدت ملابسها وعند فتحها لباب المنزل تسمرت
مكانها، حيث رأت فريد وحسام أمامها.

لم تتوقع أن يكونا معا، خصوصا منذ آخر اجتماع لهم، لكن وجودهما معا
جعلها تترد في أي تصرف كانت ستقوم به، لو أن حسام حضر وحده كانت ستغلق الباب عليها
وترفض لقاءه، ثم تختفي فهي لا تريد أي علاقة به، لكن حضور فريد جعلها تلين لقد
اشتاقت له كثيرا.

تقدم فريد منها وحضنها وهو يقول:

“أنا سعيد أنك بخير… لو تعلمين كم قلقت عليك…”

ردت ساندي وهي تعانقه:

“أنا بخير … آسفة أنني لم أتصل بك…”

رد فريد:

“لا بأس… المهم أنك بخير…”،

ثم ابتعد عنها ونظر إلى حسام وهو يقول:

“لولا حسام الذي يعرف هذا المكان ما كنت وجدتك…”،

نظرت إلى حسام الذي اقترب منها بدوره وقال:

“هل يمكننا الحديث في الداخل؟…”

ابتعدت ساندي عن الباب وتركتهم يدخلون إلى داخل المنزل، هي أيضا لديها
حديث جدي معه، عليها أن تتوقف عن الهرب من أخيها وتواجهه بكل وضوح، حتى إن كان
عليها قطع العلاقة معه.

بعد أن جلسوا انتظرت أن يبدأ بالحديث، فقال حسام:

“أولا أختي أريد أنا أعتذر منك لأنني لم أعد كما وعدتك…، تركتك
وحدك مع عمتي… أنا آسف…”

تململت ساندي في مكانها وقد شعرت بالدموع تحرق عينها، لكنها لم تقل
شيئا وانتظرت أن ينهي حديثه. فقال:

“أنت تعلمين كيف جئنا إلى هنا… بعد أن تركتك عدت إلى
المدينة… كان المنزل قد احترق بالكامل… تربصت بهم في الملهى وكنت أنوي أن
أحرقهم كما حرقوا بيتنا… لكنهم أمسكوا بي وكانوا سيقتلونني لولا أن ساعدني شرطي
كان يقوم بالمراقبة… عالجني من إصابتي … وبعد أن علم قصتي طلب مني البقاء معه
… وأخبرني أنني إذا أردت الانتقام علي أن أكتسب القوة، لذلك ساعدني حتى أنهيت
دراستي… ثم أدخلني إلى الشرطة العسكرية…”

كان يحكي، بينما ساندي كانت تستمع تغيرت ملامحها، فتحت عينيها وقطبت
حاجبيها، كان الاهتمام باديا عليها، قاطعته قائلة:

“الشرطة؟… أنت من الشرطة؟ …”

رد عليها حسام:

“أجل أختي … ما كنت لأعمل مع العصابات … بعد كل ما مر
علينا…”

نزلت الدموع من عيني ساندي بغزارة، كانت دموع الفرح، والتعب والاشتياق
لأخيها، فهو لم يخنها، لقد عاد إليها، قامت من مكانها وارتمت عليه تعانقه وقد نسيت
كل الكلام الذي كانت تريد قوله له، فقالت:

“أخي … لقد عدت إلي … لقد اشتقت لك…”

تعانقا معا وهما يبكيان، وكان حسام يقول:

“نعم أختي لقد عدت … لقد تأخرت كثيرا … لكني عدت …”

كان فريد قد أخبر حسام بكل ما عاشته أخته، وكم حاربت العصابات وحدها
قبل أن يلتقي بها، فكان حسام يضم ساندي وهو يبكي حزنا على ما مرت به.

جلسوا يتحدثون عما أصاب الوزير الذي تم قتله من قبل رجال الشرطة،
والرئيس الذي عثروا عليه ميتا، وهم لا يعلمون من قتله، كما تحدثوا عن باقي رجال
العصابات التي تم الإمساك بهم جميعا، وكان حسام تنكر باسم الجحيم الصامت حتى يتمكن
من الإمساك بتجار البشر الذين يتواصلون مع الخارج، فكانت حملة كبيرة شارك فيها كل
من الجيش والشرطة، وقد تمكنوا من القضاء عليها.

مر الوقت سريعا، حل الظلام، فقام حسام وقال:

“سأحضر شيئا لنأكله …”

أراد فريد أن يذهب معه لكنه رفض، لقد شعر أنهم يريدان الحديث مع بعضهم
لكنه يمنعهم، لذلك خرج حتى يفسح لهم الوقت للحديث.

لأول مرة يكونان معا بدون الخوف من رأيتهم، نظرت إليه وهي تفكر، لقد
ساعدها فريد كثيرا، ليس فقط في إنقاذها، ولكن حتى معنويا، ففكرة وجوده قريبا منها
ويراقبها شجعتها على المواصلة، ومنحها هدفا لحياتها، وقوت عزيمتها، كما أنه أدخل
الحب لقلبها، الذي فكرت أنه مات بموت عائلتها، إنه شعور جميل.

جلس بجانبها وأمسك يدها، ثم نظر إلى عينيها وهو يقول:

“لقد انتظرت طويلا أن ينتهي هذا الكابوس … حتى نتمكن من
الاجتماع معا …”

قالت ساندي:

“أنت تعلم كل شيء عني … كيف يمكن أن نجتمع معا…”

قال فريد:

“لأنني اعلم كل شيء عنك أريدك … أنت إنسانة عظيمة … كما أنني
أحبك كثيرا…”

ابتسمت ساندي بخجل، وقالت:

“وأنا أيضا …”

قال فريد:

“أريدك بجانبي دائما… هل تقبلين الزواج بي …”

ردت ساندي بخجل وقلبها يرقص من الفرح:

“أجل … أقبل…”

وضع يده على وجهها، ثم دنا منها وقبلها، كانت قبلة دافئة وحنونة، فجأة
رن جرس الباب لقد عاد أخوها، فابتعدا عن بعضهم.

بعد أن تناولا العشاء، جلسوا يشربون الشاي، عندها طلب فريد من حسام أن
يقبل زواجه من أخته، ابتسم حسام وقال:

“لقد شعرت بأن بينكم شيئا … يسعدني ذلك …”.

قال ذلك واحتضن أخته وهو يشعر بالسعادة، سابقا كان يفكر بأخته وبمن
عساه يكون شريك حياتها، وقد علم أنها قضت معظم شبابها مع رجال العصابات فحزن
كثيرا، ومنذ أن رأى فريد يدافع عنها وأيضا يبحث عنها كالمجنون تمنى أن يكون من
نصيبها رجل مثله، لذلك كانت سعادته كبيرة.


النهايـــــة



‫2 تعليقات

  1. رواية جميلة ومشوقة وبها أحداث رائعة طننتني أشاهد فيلما سينمائيا. شكرا كثيرا واصلي,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى