اختصاصات قاضي متابعة إجراءات التنفيذ حسن أيت موح - أقلامي
قانون

اختصاصات قاضي متابعة إجراءات التنفيذ حسن أيت موح

قراءة في اختصاصات قاضي متابعة إجراءات التنفيذ.

قراءة في اختصاصات قاضي متابعة إجراءات التنفيذ.
حسن أيت موح
باحث في القانون.

مقدمة


لاشك أن تنفيذ الأحكام القضائية هو الغاية التي يتوخاها كل صاحب الحق ومن أجلها لجأ إلى القضاء،وأن في تنفيذ الأحكام تمجيد للقضاء وتكريم للسلطة القضائية. فاستصدار الحكم ليس غاية في حد ذاته وإنما تجسيد مضمونه على ارض الواقع عن طريق تنفيذه هو الغاية المتوخاة من إصداره.
لهذا أصبح مبدأ تنفيذ الأحكام القضائية مبدأ دستوريا كرسه الفصل 126 من دستور المملكة إذ جاء فيه أن “الأحكام النهائية الصادرة عن القضاء ملزمة للجميع. يجب على السلطات العمومية تقديم المساعدة اللازمة أثناء المحاكمة،إذا صدر الأمر إليها بذلك، ويجب عليها المساعدة على تنفيذ الأحكام”.وحقيقة لا قيمة للحماية القضائية بدون تنفيذ الأحكام القضائية النهائية سواء منها الصادرة ضد الأشخاص أو ضد المؤسسات العمومية.
وإذا كان الأصل وجوب تنفيذ الأحكام عند صيرورتها حائزة لقوة الشيء المقضي به باعتبار أن هذا التنفيذ يدعم ثقة المتقاضين ويشجع على الاستثمار،فانه قد تتار أحيانا بعض الصعوبات القانونية والواقعية أثناء عملية التنفيذ،تحول دون تنفيذ الأحكام أو إتمام تنفيذها،وتتنوع هذه الصعوبات إلى ما هو وقتي يرجع اختصاص البت فيها للسيد رئيس المحكمة بصفته صاحب الولاية العامة سواء بمقتضى الفصل 149 أو الفصل 436 من قانون المسطرة المدنية،أو إلى السيد الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف إذا كان النزاع معروضا على أنظار محكمة الاستئناف طبقا للفقرة الثالثة من الفصل 149 من القانون المشار إليه آنفا،ومنها ماهو موضوعي يختص به قضاء الموضوع استنادا إلى الفصول 26 و468و482 من قانون المسطرة المدنية المتعلقين بتأويل أو تنفيذ أحكام أو قرارات المحكمة وخاصة في الصعوبات المتعلقة بالمصاريف المؤداة أمامها،وكذا دعوى الاستحقاق الفرعي،هذا دون إغفال اختصاص القاضي المكلف بشؤون القاصرين للنظر في صعوبات المتعلقة ببيع منقولات القاصر وادعاء ملكيتها.
وحرصا على مراقبة إجراءات التنفيذ،وضمان قانونيتها، عمد المشرع المغربي في الفصل 2 من قانون إحداث المحاكم التجارية إلى تنصيص على مؤسسة قاضي التنفيذ بتعيين رئيس المحكمة التجارية قاضيا مكلفا بمتابعة إجراءات التنفيذ باقتراح من الجمعية العمومية، و في إطار تعديله للمادة 429 من قانون المسطرة المدنية أكد على أنه يكلف قاض بمتابعة إجراءات التنفيذ يعين من طرف رئيس المحكمة الابتدائية باقتراح من الجمعية العامة. كما جاء في الفقرة الأولى من المادة 16 من القانون رقم 81-03 المتعلق بتنظيم مهنة المفوضين القضائيين بأنه “يمارس المفوض القضائي المهام الموكولة إليه في تنفيذ الأوامر والأحكام والقرارات وينجزها وفقا للقواعد العامة للتنفيذ وذلك تحت مراقبة رئيس المحكمة أو من ينتدبه لهذه الغاية”.
وهو ما يدفعنا إلى رصد أهم اختصاصات قاضي التنفيذ عمليا ثم تقييم عمل مؤسسة قاضي التنفيذ وذلك من خلال فقرتين نعالج في أولهما: رصد أهم اختصاصات قاضي متابعة إجراءات التنفيذ وفي ثانيهما:نواقص عمل مؤسسة قاضي التنفيذ.

الفقرة الأولى:رصد أهم اختصاصات قاضي التنفيذ من الناحية العملية.


معلوم أن المشرع المغربي لم ينظم إطارا قانونيا خاصا لقاضي التنفيذ كمؤسسة مستقلة على غرار مؤسسة قاضي التحقيق أو الأحداث،أو قاضي تطبيق العقوبات أو قاضي التوثيق أو قاضي شؤون القاصرين.غير أن الضرورة العملية أصبحت تفرض تنظيم هذا النوع من القضاء،نظرا للمشاكل المتزايدة أثناء تنفيذ الأحكام القضائية وما يثار من صعوبات ونزاعات، خاصة وأن مجموعة من المحاكم تعين قضاة لمتابعة إجراءات التنفيذ في جمعياتها العمومية لكن يبقى رئيس المحكمة هو الممارس على مستوى تتبع إجراءات التنفيذ،أمام غياب نصوص قانونية واضحة تحدد مهام قاضي متابعة إجراءات التنفيذ.
وعمليا،فقاضي التنفيذ يشرف على إجراءات التنفيذ ويسهر على حسن سيرها وتصريفها،مع ما يفوض له رئيس المحكمة من مهام،بما في ذلك البت في القضايا الاستعجالية،إذ غالبا ما يجمع بين الاختصاصين،خاصة في المحاكم الصغرى.
وتبقى طبيعة اختصاص قاضي التنفيذ من النظام العام، أي أنه يحق له أن يقضي بعدم الاختصاص حتى ولو لم يدفع المطلوب ضده بذلك،مادام أن الاختصاص الولائي من النظام العام،بما يعني بالتبعية أنه لا يمكن للأطراف الاتفاق على مخالفة اختصاصاته،وهنا وجب التأكيد على أن قاضي التنفيذ يختص للبت في منازعات التنفيذ مهما كانت قيمتها،فاختصاصه نوعي وليس قيمي.
ومن بين أهم اختصاصات قاضي التنفيذ الولائية يمكن أن نذكر على سبيل المثال:
-منح مهلة استرحامية للمنفذ عليه استنادا للفقرة الثانية من الفصل 243 من قانون الالتزامات والعقود،التي جاء فيها ” ومع ذلك،يسوغ للقضاة،مراعاة منهم لمركز المدين،ومع استعمال هده السلطة في نطاق ضيق ،أن يمنحوه آجالا معتدلة للوفاء، وأن يوقفوا إجراءات المطالبة،مع إبقاء الأشياء على حالها”.وطبقا كذلك للفقرة الثانية من الفصل440 من قانون المسطرة المدنية التي جاء فيها أنه” إذا طلب المدين آجالا أخبر العون الرئيس الذي يأذن بأمر بحجز أموال المدين تحفظيا إذا بدا ذلك ضروريا للمحافظة على حقوق المستفيد من الحكم”.

اختصاصات قاضي متابعة إجراءات التنفيذ


وما يلاحظ في الواقع العملي،أن قضاة التنفيذ يتشددون في منح المهل الاسترحامية، لكي لا يتم استغلالها من طرف المنفذ عليهم بغية التسويف والمماطلة و ضرب القوة التنفيذية للأحكام عرض الحائط.كما أنهم – قضاة التنفيذ- غالبا ما يطلبون ملف التنفيذ قبل منحهم المهلة الاسترحامية بغرض التأكد من عدم استفادة المنفذ ضده من هذه الميزة ،وعدم استنفاذه كل وسائل الصعوبات المفتعلة التي آثارها.
– أمر بتعيين القيم في حق المنفذ عليه، طبقا للفصل 39 من قانون المسطرة المدنية.وهنا يجب الإشارة إلى أن ميدان تطبيق مسطرة القيم واسع،إذ كما يتم تطبيقها قبل صدور الحكم،فانه بعد صدوره يمكن تعيين القيم في حالة تعذر تبليغ الحكم إلى المعني به أو في حالة تبليغ مساطر الحجوز أو عند البحث عن أحد الورثة.وهكذا،فانه في حالة تعذر متابعة إجراءات التنفيذ في مواجهة المحكوم عليه لكونه مجهول العنوان أو ما في حكم ذلك،يحق للمنفذ أن يطلب من قاضي التنفيذ في إطار الأوامر بناء على طلب، إصدار أمر بتعيين القيم ،والذي لا يتم تعيينه إلا بعد تأكده من احترام مقتضيات الفصل 39 من قانون المسطرة المدنية،خاصة ما تعلق بالاستدعاء بواسطة البريد المضمون.
كما تطبق نفس المقتضيات في مواجهة الوارث المجهول العنوان،اذ يتعين على المنفذ استصدار أمر تعيين قيم عن المعني بالأمر قصد متابعة الإجراءات في حقه،طبقا للفقرة الأخيرة من الفصل 443 من قانون المسطرة المدنية.
-أمر بتعيين الخبير،غالبا ما يطلب عون التنفيذ أو المفوض القضائي كل في مجال اختصاصه من قاضي التنفيذ تعيين خبير وذلك عند تنفيذ حكم يتعلق بتسليم منقول أو عقار أو فتح باب،أو إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه أو إجراء قسمة وغيرها من الأمثلة، أن يستصحبا معهما خبير لمساعدتهما على تنفيذ الحكم من الناحية التقنية.


-أمر بفتح المحل، يصدر قاضي التنفيذ هذا الأمر بناء على طلب من عون التنفيذ أو المفوض القضائي، في الحالة التي يجدون فيه المحل مغلقا وذلك بغية تسهيل التفتيش في حدود ما تقتضيه مصلحة التنفيذ،طبقا للفصل 450 من قانون المسطرة المدنية.
– إصدار إذن بإجراء حجز قبل الخامسة صباحا وبعد التاسعة ليلا وخلال أيام العطل المحددة بمقتضى القانون عملا بمقتضيات الفصل 451 من قانون المسطرة المدنية
–الأمر بنقل المنقولات المحجوزة من مكان لآخر في حالة عدم وجود المنفذ عليه أو تعيين حارس قضائي عليها.
-تأجيل البيع إذا كان طلب الإخراج مرفقا بحجج كافية ويبت الرئيس في كل نزاع يقع حول ذلك.
-إصدار أمر بإشهار الحجز بالتعليق وافتتاح مسطرة بيع المال المحجوز.
–تحديد مصاريف التنفيذ والإعلان عنها قبل السمسرة طبقا للفصل 477 من قانون المسطرة المدنية.
هذا عن بعض اختصاصات النوعية والعملية لقاضي التنفيذ،فماذا عن اختصاصه المحلي؟.
يمكن القول،بأن الاختصاص المحلي لقاضي التنفيذ يتحدد وفقا للمكان الذي توجد به الأموال موضوع التنفيذ، وذلك حتى يسهل على القاضي الإشراف على إجراءات التنفيذ. وفق ما جاء في الفصل 439 من قانون المسطرة المدنية الذي أكد بأنه” يتم التنفيذ ضمن الشروط المقررة في الفصلين 433 و434 غير أنه يمكن لكتابة ضبط المحكمة التي أصدرت الحكم أن تنيب عنها كتابة ضبط المحكمة التي يجب أن يقع التنفيذ في دائرتها القضائية”.


وقد جاء في مسودة مشروع قانون المسطرة المدنية صيغة 7يناير 2022 -التي خصصت حيزا مهما من موادها لقاضي التنفيذ – في المادة 475 بأنه “يكون الاختصاص المحلي لقاضي التنفيذ المحكمة المصدرة للحكم،أو التي يوجد بها المنفذ ضده،أو التي توجد بها أمواله”. كما أكدت في الفصل 478 بأنه” ينيب قاضي التنفيذ الذي قدم إليه السند التنفيذي،قاضي التنفيذ الذي يراد اتخاذ الإجراء في دائرته،ويثبت القاضي المناب الإجراءات التي قام بها في محضر يرسله إلى القاضي الذي أنابه.
يكون قاضي التنفيذ المناب هو المختص بالبت في صعوبات التنفيذ الوقتية المثارة شأن إجراءات التنفيذ الذي تم القيام بها بدائرة نفوذ المحكمة المنابة”.
وبعد ذكرنا لأهم اختصاصات قاضي التنفيذ على مستوى العملي،سنحاول في الفقرة الموالية تقيم عمل مؤسسة قاضي التنفيذ.


الفقرة الثانية: تقييم عمل مؤسسة قاضي التنفيذ.


يمكن القول بأن نظام التنفيذ في المغرب يشكو من تعدد الأجهزة المشرفة على التنفيذ وهو ما يؤثر سلبا على السرعة المطلوبة في تنفيذ القضايا، فبالإضافة إلى رؤساء المحاكم –الابتدائية والتجارية- نجد أن المشرع يعطي لرؤساء الأولين لمحاكم الاستئناف صلاحية البت في الصعوبات المتعلقة بالتنفيذ إذا كان النزاع معروضا على أنظار محكمة الاستئناف.كما أن قاضي الشؤون القاصرين يختص في الصعوبات المثارة في حالة ادعاء الغير أن منقولات القاصر المراد بيعها هي ملك له طبقا للفصل 203 من ق.م.م،هذا دون إغفال لأدوار المنوطة لرئيس مصلحة كتابة الضبط الذي يعتبر المشرف الفعلي على التنفيذ من الناحية العملية،مما يؤدي إلى تداخل اختصاصات هذه الأجهزة في مجال التنفيذ،خاصة أمام غياب إطار قانوني واضح لاختصاصات قاضي التنفيذ الذي لا يعتبر حتى رئيسا إداريا لأعوان التنفيذ اللهم إن كان يمارس هذه المهمة كرئيس للمحكمة،فالمشرع المغربي اهتم في قانون المسطرة المدنية بصعوبات ومنازعة التنفيذ أكثر من اهتمامه بالقاضي المشرف على التنفيذ.


غير أنه من الناحية العملية وفي غالب الأحيان ،يكون قاضي التنفيذ نائبا لرئيس المحكمة ويقوم بمتابعة إجراءات التنفيذ والإشراف على أعوان التنفيذ والمفوضين القضائيين الذين يخبرونه بكل إجراء يقومون به ويستشيرونه في جميع مراحل التنفيذ. والواقع يؤكد بأن قضاة التنفيذ سواء بصفتهم هاته أو كرؤساء محاكم يقومون بأدوار جد مهمة في متابعة إجراءات التنفيذ وتذليل كل الصعوبات التي تعتري تنفيذ الأحكام بالإسراع بإجراءاته وتشديد المراقبة على القائمين به.
وصفوة القول، أنه هناك شبه إجماع على ضرورة تفعيل مؤسسة قاضي التنفيذ بتنظيم إطارها القانوني وإعطائها صلاحيات واسعة وذلك بغية إرساء دعائم نظام قضاء التنفيذ على غرار باقي التشريعات المقارنة،وهو ما تأكد مؤخرا من خلال مسودة مشروع قانون المسطرة المدنية صيغة 7يناير 2022،بل إن السيد وزير العدل عبد اللطيف وهبي أعلن في عرضه أمام لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب وخلال دراسة الميزانية الفرعية لوزارة العدل برسم السنة المالية 2022، عن إحداث وكالة مستقلة تعنى بتنفيذ الأحكام القضائية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى