قانون

تعليق على قرار محكمة النقض عدد 173 بخصوص تعسف في استعمال حق التقاضي

تعليق على قرار محكمة النقض عدد 173
الصادر بتاريخ 05 ماي 2016 في الملف التجاري عدد 347/3/1/ 2014 بخصوص تعسف في استعمال حق التقاضي
.
ذ:حسن أيت موح
باحث في القانون.
نص القرار:
إن حق الالتجاء إلى القضاء من الحقوق العامة التي تثبت للكافة،ولا يسأل من يلج القضاء تمسكا أو ذودا عن حق يدعيه لنفسه،إلا إذا ثبت انجرافه عن الحق المباح أو التلذذ في الخصومة، والعنت ووضوح الرغبة في الإضرار بالخصم،والمحكمة لما اعتبرت أن المطلوبة هدفت من تعدد الدعاوي ضد الطالب حماية حقوقها عن حسن نية وصولا لاستخلاص قيمة الشيك الذي حازته مقابل نصيبها في المشروع المشترك بينهما،تكون قد أقرت أن الحق في التقاضي مكفول،مادام لم يصدر عن ممارسة تعسف في استعماله نتج عنه ضرر عملا بالفصل 94 من ق.ل.ع،وجاء قرارها مرتكزا على أساس قانوني ومعللا تعليلا كافيا.
باسم جلالة الملك وطبقا للقانون
بناء على قرار السيد رئيس الغرفة بعدم إجراء بحث في القضية عملا بمقتضيات الفصل 363 من قانون المسطرة المدنية.
حيث يستفاد من مستندات الملف،والقرار المطعون فيه أن الطالب محمد(ع) تقدم بتاريخ 02/6/2010 بمقال لتجارية البيضاء،عرض فيه أنه شريك مع المطلوبة فاطمة (ب) في الشركة ذات المسؤولية المحدودة(…)،وأنهما أنشا عقدا أصبحا بموجبه شريكين في مشروع شركة(…) المقام على أرض ب(…)،المتكون من مقهى ومخدع هاتفي،ومحل للجزارة ومحل لبيع الخضر،ومحلبة مع مستودع لقطع الغيار،واتفقا على أن تكون مصاريف البناء والتجهيز مناصفة فيما بينهما،وأن يتولى المدعي الإشراف على أشغال البناء،وبالفعل بدأ في الأشغال بعد أن تسلم من المدعى عليهما كدفعة أولى مبلغ 1.000.000.00 درهم،وسلمها مقابل ذلك شيكا بالمبلغ المذكور،واتفقا على ألا يتم تسديده إلا بعد بيع المشروع،هذا وبعد أن بغت النفقات النهائية لبناء المشروع ما يناهز 2.786.000.00 درهم حسب الخبرات المنجزة،عمدت المدعى عليها وقبل القيام ببيعه الى تقديم شكاية من أجل عدم توفير مؤؤنة الشيك الذي سبق الاتفاق على عدم تسديده الا بعد بيع المشروع،فاضطر إلى بيعه بمبلغ 1.930.000.00 درهم،أي بأقل من قيمته الحقيقية لتسديد قيمة الشيك،متكبدا خسارة تقدر ب 500.000.00 درهم،ولم تكتف المدعية بذلك بل قامت بإجراء حجز تحفطي على المشروع،وقدمت تعرضا على مطلب التحفيظ عدد 12553-15،كما تقدمت بشكاية ضده من أجل النصب،ودعاوي أخرى وصلت نفقاتها الى 1.000.000.00 درهم.ملتمسا الحكم بأدائها له تعويضا عن الأضرار الاحقة به من جراء تغيبه المستمر عن ممارسة تجارته بسبب الدعاوي التي رفعتها عليه المدعى عليها،وتعويضا مؤقتا قدره 5.000.00 درهم،مع إجراء خبرة لتحديد الخسارة التي تكبدها عند بيع المشروع بأقل من ثمنه الحقيقي.وبعد تنصيب قيم في حق المدعى عليها صدر حكم برفض الطلب،وأيدته محكمة الاستئناف التجارية بمقتضى القرار المطعون فيه من لدن المدعي محمد (ع) بثلاث وسائل.

في شأن الوسائل مجتمعة:
حيث ينعى الطاعن على القرار التناقض في حيثياته،وتحريف الوقائع،وخرق القانون،وانعدام الأساس القانوني،وانعدام التعليل،بدعوى أنه أيد الحكم المستأنف بعلة:” أن الالتجاء إلى القضاء من الحقوق العامة التي تثبت للكافة،وأن استعمال هذا الحق مشروع،إلا إذا كان المقصود منه هو الإضرار بالغير،ومن تم فلا يسأل المتقاضي إلا إذا ثبت تلذذه بالخصومة والعنت ووضوح الرغبة في الإضرار بالغير،ومن ثم فلا يسأل المتقاضي إلا إذا ثبت تلذذه بالخصومة والعنت ووضوح الرغبة في الأضرار بالخصم، وأن المستأنف عليها أقامت دعاواها في مواجهته من أجل الحفاظ على حقوقها،واستخلاص قيمة الشيك”،والحال أن المطلوبة أقامت عددا كبيرا من الدعاوي،واستخلصت قيمة الشيك”،والحال أن المطلوبة أقامت عددا كبيرا من الدعاوي،واستخلصت قيمة الشيك بعد توصلها بنصيبها من المشروع،وليس قبل ذلك.فتكون بذلك المحكمة قد تناقضت في قرارها،وحرفت الوقائع.
أيضا تمسك الطالب بتوفر الشرطين المنصوص عليهما في الفصل 94 من قانون الالتزامات والعقود لاستحقاق التعويض،غير أن المحكمة أحجمت عن الجواب،ولم تبحث في الضرر الفادح اللاحق بالطالب بسبب رفع المطلوبة لأكثر من ثلاثين قضية،ولتوفر إمكانية تجنب الضرر وإزالته لدى المطلوبة.
كذلك تقدم الطالب بطلب التعويض عن الخسارة التي لحقته من جراء اضطراره لبيع المشروع بثمن أقل من ثمنه الحقيقي،قصد تسديد قيمة الشيك بعد تقديم المطلوبة بشكاية من أجل عدم توفير مؤونته،مع ما نتج عنه من خسارة بلغت 800.000.00 درهم من طرفهما معا،اعتبارا لأنهما شريكان في الربح والخسارة،بيد أن المحكمة لم تستجب للطلب،مما يتعين معه نقض قرارها.
لكن،حيث انه بمقتضى الفصل الخامس من قانون المسطرة المدنية فانه:”يجب على كل متقاض ممارسة حقوقه طبقا لقواعد حسن النية”.والمحكمة مصدرة القرار المطعون فيه التي ثبت لها واقتنعت صوابا مما راج أمامها،بأن المطلوبة هدفت من تعدد الدعاوي ضد الطالب حماية حقوقها عن حسن نية وصولا لاستخلاص قيمة الشيك الذي حازته مقابل نصيبها في المشروع المشترك بينهما،اعتبرت بتعليل سليم:”بأن حق الالتجاء إلى القضاء حق من الحقوق العامة التي تثبت للكافة،وبأنه لا يسأل من يلج القضاء تمسكا أو ذوذا عن حق يدعيه لنفسه، إلا إذا ثبت انجرافه عن الحق المباح أو التلذذ في الخصومة،والعنت ووضوح الرغبة في الإضرار بالخصم”،فتكون قد أقرت أن الحق في التقاضي مكفول،مادام لم يصدر عن ممارسة تعسف في استعماله نتج عنه ضرر،ومن تم وأمام عجز الطالب عن إثبات سوء نية المطلوبة في ممارسة حقها بغاية استخلاصها قيمة الشيك خلصت (المحكمة)-بمنحى مبرر- إلى عدم استحقاق الطالب أي تعويض،بعدما ثبت لها عدم توفر الشرطين المنصوص عليهما في الفصل 94 من قانون الالتزامات والعقود،وفي موقفها المذكور جواب ضمني على ما أثير بهذا الخصوص،وهي فعلا لم تستجب لطلب اقتسام الخسارة التي ادعى الطالب أنه تكبدها عند بيع المشروع،لكون موضوع الدعوى الماثلة هو التعويض عن التقاضي بسوء نية، وليس توزيع الخسارة بين الشركاء،فجاء قرارها غير خارق لأي مقتضى،ومرتكزا على أساس قانوني ومعللا بما يكفي،وغير متناقض في حيثياته ولا محرفا للوقائع والوسائل على غير أساس.
لهذه الأسباب
قضت محكمة النقض برفض الطلب.
التعليق:
صدر عن محكمة النقض قرار عدد 173 الصادر بتاريخ 05 ماي 2016 في الملف التجاري عدد 347/3/1/ 2014،أقرت فيه أن الحق في التقاضي مكفول،مادام لم يصدر عن ممارسة تعسف في استعماله نتج عنه ضرر،وعجز الطالب عن إثبات سوء نية المطلوبة في ممارسة حقها بغاية استخلاص قيمة الشيك.
ويثير هذا القرار انتباه الباحثين من خلال عدة جوانب منها:
أولا: حق الالتجاء إلى القضاء من الحقوق العامة المكفولة للجميع،مادام لم يصدر عن ممارسه تعسف في استعماله نتج عنه ضرر .
ثانيا: تطبيق نظرية التعسف في استعمال حق التقاضي تستوجب توفر شرطين هما:أن تكون ممارسة الحق أدت إلى إلحاق ضرر فادح بالغير،وأن يكون بالإمكان تجنب الضرر تطبيقا لمقتضيات الفصل 94 من قانون الالتزامات والعقود.
ثالثا:على المضرور إثبات توفر قصد الإضرار أو سوء النية لدى الخصم،فصاحب الحق لا يتحمل عبء إثبات مشروعية استعمال حقه في التقاضي.
وللتعليق على هذا القرار القيم- منشور بنشرة قرارات محكمة النقض الغرفة التجارية العدد 35- لابد من استعراض أهم وقائعه.
الوقائع:
تتلخص وقائع هذا القرار،حيث إن الطالب بصفته شريك مع المطلوبة في مشروع شركة(..) المقام على ارض ب(…) كان قد تسلم منها مبلغ 1.000.000.00 درهم كدفعة أولى لتمويل مشروعهما، وسلمها مقابل ذلك شيك بالمبلغ المذكور، واتفقا على ألا يتم تسديده إلا بعد بيع المشروع،غير أنها عمدت وقبل القيام ببيعه إلى تقديم شكاية من أجل عدم توفير مؤونة الشيك ،فاضطر إلى بيع المشروع بأقل من قيمته الحقيقية لتسديد قيمة الشيك، كما قامت بإجراء حجز تحفظي على المشروع،وقدمت تعرضا على مطلب التحفيظ،كما تقدمت بشكاية ضده من أجل النصب،ودعاوي أخرى وصلت نفقاتها إلى 1.000.000.00 درهم.ملتمسا الحكم بأدائها له تعويضا عن الأضرار اللاحقة به من جراء تغيبه المستمر عن ممارسة تجارته بسبب الدعاوي التي رفعتها عليه.
-المساطر:
حكمت المحكمة التجارية برفض الطلب،أيدته محكمة الاستئناف التجارية،وهذا هو القرار المطعون فيه من قبل الطالب.
وقد قضت محكمة النقض برفض الطلب.
-الادعاءات
يعيب الطالب على القرار التناقض في حيثياته،وتحريف الوقائع،وخرق القانون،وانعدام الأساس القانوني،وانعدام التعليل،
-جواب المحكمة
لكن،حيث انه بمقتضى الفصل الخامس من قانون المسطرة المدنية فانه:”يجب على كل متقاض ممارسة حقوقه طبقا لقواعد حسن النية”.والمحكمة مصدرة القرار المطعون فيه التي ثبت لها واقتنعت صوابا مما راج أمامها،بأن المطلوبة هدفت من تعدد الدعاوي ضد الطالب حماية حقوقها عن حسن نية وصولا لاستخلاص قيمة الشيك الذي حازته مقابل نصيبها في المشروع المشترك بينهما،اعتبرت بتعليل سليم:”بأن حق الالتجاء إلى القضاء حق من الحقوق العامة التي تثبت للكافة،وبأنه لا يسأل من يلج القضاء تمسكا أو ذوذا عن حق يدعيه لنفسه،إلا إذا ثبت انجرافه عن الحق المباح أو التلذذ في الخصومة،والعنت ووضوح الرغبة في الإضرار بالخصم”فتكون قد أقرت أن الحق في التقاضي مكفول،مادام لم يصدر عن ممارسة تعسف في استعماله نتج عنه ضرر،ومن ثم وأمام عجز الطالب عن إثبات سوء نية المطلوبة في ممارسة حقها بغاية استخلاصها قيمة الشيك خلصت (المحكمة) –بمنحى مبرر- إلى عدم استحقاق الطالب أي تعويض،بعدما ثبت لها عدم تحقق الشرطين المنصوص عليهما في الفصل 94 من قانون الالتزامات والعقود.
المشكل القانوني:
-متى يمكن اعتبار المتقاضي متعسف في استعمال حق التقاضي؟
-كيف يمكن إثبات المسؤولية عن الاستعمال التعسفي لحق التقاضي؟
-ماهو الجزاء المترتب عن التقاضي بسوء النية؟
ومن أجل التعليق على القرار سنتبنى تصميما نرتكز على المحورين التاليين:
*المحور الأول:المسؤولية عن التعسف في استعمال حق التقاضي.
*المحور الثاني:الجزاء المترتب عن التعسف في استعمال حق التقاضي.
المحور الأول:المسؤولية عن التعسف في استعمال حق التقاضي
يمكن القول بأن التعسف في استعمال حق التقاضي هو استعمال المساطر القانونية لغرض المماطلة وإطالة النزاع بشكل يضر بالخصم،أما المسؤولية المترتبة عن التعسف،فتعني التزام المتعسف في استعمال حق التقاضي بتعويض المتضرر عن تعسفه فضلا عن تحمله للجزاءات المقررة في قانون المسطرة المدنية. تعليق على قرار محكمة النقض
وفي هذا الإطار سنتطرق إلى معرفة ماهية التعسف في استعمال حق التقاضي وأركان المسؤولية الناجمة عن التعسف.
النقطة الأولى: ماهية التعسف في استعمال حق التقاضي
لا جدال في أن حق التقاضي من الحقوق الدستورية التي نص عليها دستور المملكة في فصله 118 بتأكيده أن “حق التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه وعن مصالحه التي يحميها القانون” ويتعين أن يتم في حدوده المشروعة من غير تعسف عملا بمقتضيات الفصل 5 من قانون المسطرة المدنية التي توجب على كل متقاض ممارسة حقوقه طبقا لقواعد حسن النية.
ويتعين التأكيد أن إساءة استعمال حق التقاضي لا يتحقق بمجرد خسارة الدعوى،وإنما عند رفع الدعوى بسوء نية بغرض الإضرار بالخصم، باستخدام أساليب المماطلة واستغلال المساطر القانونية والقضائية في غير ما شرعت له،مما يصبح لجوء الى المحكمة في بعض الأحيان وسيلة غير مضمونة لاقتضاء الحق باستغلال أحد أطرافها لضمانات القانونية المخولة له في التبليغ أوالدفوع أو الطعن أو غيرها من الحقوق للتضليل وتضييع وقت ومال الخصم الاخر،وهو ما قد يرغم صاحب الحق في التنازل عن حقه بأقل من قيمته الحقيقية.
وهنا تأتي أهمية نظرية التعسف في تأطير استعمال هذا الحق، بشكل مضبوط ومتوازن دون أن يؤثر ذلك في استعمال الأفراد للمساطر القانونية بالتوفيق بين حق المتقاضي في ارتياد المحاكم دون الخوف من سيف المسؤولية، وبين ضرورة الالتزام بمبدأ عدم التعسف في استخدام حق التقاضي.فتساهل في تطبيق هذه النظرية قد يؤدي بالمقابل لأي خصم سيء النية أن يطالب بإلزام خصمه بالتعويض زاعما أن مباشرة الدعوى ضده كانت على نحو تعسفي.
وعليه، فلا يمكن اعتبار أي شخص خسر دعواه أو أخفق في استعمال حقه في التقاضي بأنه متعسف ولو ترتب على ذلك ضررا بالغير،فالقول بخلاف ذلك يجعل لجوء الى المحاكم خطأ يوجب المسؤولية، فالأصل هو عدم المسؤولية إلى أن يثبت أن المتقاضي كان متعسفا ،إلا أن هناك حالات أقر فيها المشرع فرض الغرامة على المتقاضي المتعسف في ممارسة حق مسطري من ذلك مثلا، ما قضت به الفقرة الثالثة من الفصل 98 من قانون المسطرة المدنية بالحكم على مدعي الزور المرفوض طلبه بغرامة تتراوح بين خمسمائة وألف خمسمائة درهم دون مساس بالتعويضات والمتابعات الجنائية،وكذا ما نص عليه الفصل 165 من قانون المسطرة المدنية من أنه اذا رأت المحكمة أن التعرض أو الاستئناف لم يقصد منهما إلا المماطلة والتسويف وجب عليها أن تحكم على المدين بغرامة مدنية لا تقل عن خمسة في المائة ولا تفوق نسبة خمسة عشر في المائة من مبلغ الدين لفائدة الخزينة العامة،وكذا الفصل 305 من نفس القانون في الباب المتعلق بتعرض الغير الخارج عن الخصومة،والفصل 407 في إعادة النظر.وكل ذلك بغرض عدم التعسف في ممارسة هذه الضمانات بشكل قد يؤدي إلى عرقلة المسطرة القضائية وبالتالي تعطيل البت في الحقوق.
النقطة الثانية: أركان المسؤولية عن التعسف في استعمال حق التقاضي
بقراءة الفصل 77 من قانون المسطرة المدنية، يتبين أن المسؤولية تقوم على الخطأ والضرر،هذا الأخير يتعين أن يكون نتيجة للخطأ وهو ما يعرف بالعلاقة السببية.
معلوم، أن الشخص لا يسأل عن استعماله لحق مشروع،إلا إذا استعمل هذا الحق بشكل يجاوز الحدود المألوفة،ويلحق ضررا بالغير.ولقيام المسؤولية عن التعسف في استعمال حق التقاضي يلزم توفر الأركان التالية:
*الإساءة في استعمال حق التقاضي:
هنا لا نتحدث عن التقاضي العادي الذي بطبيعته يلحق ضررا بأحد الخصوم (مصاريف التقاضي مثلا)،وإنما عن الدعاوي الكيدية،التي يظهر من القرائن والظروف المحيطة بها أن المتقاضي له نية الإضرار بالخصم الآخر نكاية وتشهيرا به،كمن يرفع الدعوى دون مصلحة،أو كمن يستعمل حق التقاضي من أجل تحقيق مصلحة غير مشروعة،كمن يرفع مثلا دعوى لإثبات علاقة فساد مع امرأة،فالمصلحة التي يرمي الى تحقيقها غير مشروعة كونها مخالفة للآداب العامة.

  • الضرر :
    لاشك أن الضرر ركن أساسي من عناصر المسؤولية عن التعسف في استعمال الحق، إذ لا مسؤولية عن استعمال حق التقاضي ولو كان تعسفيا إذا لم يترتب على استعماله ضرر يصب الخصم الآخر يتجاوز المصلحة التي يقررها القانون لصاحب الحق.
    فنظرية التعسف في استعمال الحق تقوم على أساس التوازن بين مصلحة صاحب الحق في استعمال حقه ومايترتب على هذا الاستعمال من ضرر.والضرر قد يكون ماديا،مثلا،كمن يطالب بفتح مسطرة التصفية القضائية في حق مقاولة بغرض المساس بسمعتها التجارية وضرب بمصداقيتها المالية،أو أدبيا كمن يرفع دعوى كيدية ضد طبيب للمطالبة بالتعويض عن خطأ طبي غير مثبت بغية النيل من سمعته وتأثير على مساره المهني.
  • تعليق على قرار محكمة النقض

  • والضرر الذي يحق للشخص أن يطالب برفعه إذا توافرت حالات التعسف في استعمال الحق المنصوص عليها قانونا هو الضرر المحقق بأن يكون قد وقع فعلا أوقعت أسبابه وترامت آثاره إلى المستقبل ولا عبرة لدى المحكمة بالضرر الاحتمالي المبني على الوقائع قد تقع أو لا تقع.وليس كل ضرر يترتب على استعمال حق التقاضي يمثل ركنا من أركان المسؤولية المترتبة عن التعسف في استعمال حق التقاضي،وإنما يتعين أن يكون الضرر فادحا كما نص على ذلك الفصل 94 من قانون الالتزامات والعقود،وغير مألوف وراجح على المصلحة التي يرمي صاحب الحق إلى انجازها،أما دون ذلك،فلا يجوز الحكم بالمسؤولية حتى لا يشكل ذلك تهديدا لاستعمال المساطر القانونية .
    *العلاقة السببية بين الإساءة في استعمال الحق والضرر:
    لاشك أن وجود العلاقة السببية بين الإساءة في استعمال حق التقاضي والضرر الواقع على الخصم الآخر يعد من أساسيات لنهوض المسؤولية، إذ يجب أن تكون الأضرار قد لحقت بالخصم الآخر بسبب الإساءة في استعمال الحق بشكل يتجاوز المصلحة التي تعود على صاحب الحق،إذ لا يترتب على استعمال الحق أية مسؤولية ولو نتج عن ذلك الاستعمال ضرر للغير مادام أن استعمال الحق كان مشروعا.
    ومن تم يتبين أن الضرر الذي يترتب على الاستعمال غير المشروع للحق هو سبب مسؤولية صاحب الحق،فالعبرة في قيام المسؤولية –حسب ما جاء في القرار موضوع التعليق- هي بانحراف عن الحق المباح أو التلذذ في الخصومة،والعنت ووضوح الرغبة في الإضرار بالخصم.

المحور الثاني:الجزاء المترتب عن التعسف في استعمال حق التقاضي
من بين أهم الآثار القانونية المترتبة على قيام المسؤولية عن التعسف في استعمال حق التقاضي،تتمثل في تعويض المضرور عن الأضرار الاحقة به،وقد يتجاوز الجزاء مستوى التعويض (النقطة الأولى) إلى حد قيام المسؤولية الجنائية(النقطة الثانية).
النقطة الأولى:التعويض عن الأضرار الناشئة عن التعسف:
بداية يمكن القول،بأن المشرع المغربي لم يضع نصا خاصا للتعويض عن الأضرار الاحقة بالمتقاضي جراء قيام المسؤولية المدنية عن التعسف في استعمال حق التقاضي، إنما أجاز الحكم بالتعويض عند الاستعمال التعسفي لبعض الإجراءات-كما بينا أعلاه- ووضع قاعدة عامة للتعويض وردت بالفصل 77 من قانون الالتزامات والعقود الذي جاء فيه أنه”كل فعل ارتكبه الإنسان عن بينة واختيار،ومن غير أن يسمح له به القانون،فأحدث ضررا ماديا أو معنويا للغير،ألزم مرتكبه بتعويض هذا الضرر،إذا ثبت أن ذلك الفعل هو السبب المباشر في حصول الضرر.وكل شرط مخالف لذلك يكون عديم الأثر” وعليه، فاستنادا للقواعد العامة في المسؤولية المدنية،فمتى توفرت أركان هذه المسؤولية من فعل وضرر،وعلاقة سببية،وجب على المتقاضي سيء النية تعويض المضرور عن الضرر الاحق بالخصم الآخر،وقد يأتي هذا التعويض على شكل طلب مقابل أو دعوى مستقلة للتعويض.


النقطة الثانية:إمكانية قيام المسؤولية الجنائية:
بالإضافة الى التعويض المدني ،أعطى مشرع القانون الجنائي صورة تقوم فيها المسؤولية الجنائية للمتعسف عند إثارة الدعوى العمومية،بمتابعة المشتكي مثلا من أجل الوشاية الكاذبة كما جاء في الفصل 445 من القانون الجنائي متى كانت الوقائع المبلغ بها تستوجب زجرا جزائيا أو إداريا،وذلك عقب الحكم النهائي ببراءة المبلغ ضده أو إعفائه أو عقب صدور أمر أو قرار بعد متابعته أو عقب حفظ الشكاية بأمر من أحد رجال القضاء أو الموظف أو رئيس المبلغ ضده أو مستخدمه المختص بالبت في الشكاية.
وبالرجوع إلى القرار موضوع التعليق،والذي ارتكزت فيه محكمة النقض بأنه لتتحقق المسؤولية عن التعسف في استعمال حق التقاضي ،فانه يجب أن تتوافر الأدلة على ثبوت قصد الإضرار لدى الخصم،معتبرة أن الأصل هو عدم المسؤولية عن استعمال حق التقاضي مادام أنه كان استعمالا عاديا ومشروعا ، وأن تعدد الدعاوي ضد الطالب كان بغرض حماية المطلوبة لحقوقها عن حسن نية وصولا لاستخلاص قيمة الشيك الذي حازته مقابل نصيبها في المشروع المشترك بينهما.وبذلك يمكن القول أن هذا القرار، عمد إلى إقرار معيار نية الإضرار كمحدد للتعسف في استعمال حق التقاضي وتقدير عناصره الواقعية التي تمكن من استنتاج وجود تعسف خاضع لسلطة المحكمة.

تعليق على قرار محكمة النقض

للتحميل على شكل word اضغط هنا

إقرأ أيضا:

كتاب الوجيز في التنظيم القضائي المغربي للدكتور البشير عدي طبعة 2020 pdf

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى